تأتي مجموعة عابر دهاليز المجد للقاص رشاد_شرف، الصادرة عن نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب، بوصفها اشتغالاً سردياً واعياً على تخوم القصة القصيرة جداً والقصة القصيرة، حيث يحمل عنوان المجموعة دلالته من إحدى قصصها الفرعية، في إحالة ذكية إلى بنية داخلية متماسكة تقوم على تواشج العناوين والدلالات.
تُعد المجموعة من التجارب القصصية التي تراهن على الاقتصاد اللغوي دون التفريط في الشحنة الدلالية، إذ يعتمد القاص أسلوباً مكثفاً وسرداً محكماً، يجعل القارئ في حالة توتر جمالي دائم، يبدأ بأنفاس متأنية وينتهي بشهقة مباغتة. فالنهايات هنا فعل صادم، يحمل القارئ إلى أحد حدّين متناقضين: إما ذروة الحزن المكتوم، أو انفجار السخرية والضحك القاسي.
ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة هو وعي الكاتب بأهمية الجملة الأولى بوصفها مدخلاً شعورياً وفكرياً للنص، إذ غالباً ما توحي بدايات القصص بأن هناك طبقة أعمق من المعنى، سيتعثر بها القارئ لاحقاً وهو ما يتحقق بالفعل، حيث تتكشّف الدلالة تدريجياً دون افتعال أو مباشرة.
تنتمي في مجملها (القصص) إلى الواقعية، واقعية مشبعة بوعي إنساني، تتكئ على لغة يومية مألوفة وعلى مصطلحات متداولة في الحياة الاجتماعية، ولا سيما في البيئة الكردية، ما يمنح النصوص صدقاً شعورياً وملمساً حياتياً واضحاً. وفي مواضع محدودة، ينزاح السرد نحو الرمزية، حيث يتعمد القاص حجب مقصده في دعوة منه للقارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى.
تحمل القصص صبغة وجدانية إنسانية عالية وتتحرك ضمن طيف واسع من المشاعر: الخيبة، الخذلان، الأمل، السخرية وحتى لحظات السعادة العابرة. غير أن ما يميز هذه التجربة هو قدرة الكاتب على التقمص الصوتي؛ إذ لا يكتب من موقع ذاتي ضيق، بل يتعدد صوته بتعدد الشخصيات: صوت المرأة، الأب، الابنة، العاشق، المظلوم وصوت الطبيعة. هذا التعدد الصوتي يؤكد أن النصوص تُقرأ بوصفها مرايا إنسانية جامعة.
وبالنسبة لي، تبرز هنا إشكالية العلاقة بين القارئ والمؤلف، حيث يصبح حضور الكاتب الشخصي عائقاً جمالياً أحياناً، إذ يصعب علي تطبيق مقولة “موت المؤلف” عندما يكون اللقاء الشخصي سابقاً للقراءة. ومع ذلك، نجحت المجموعة في تجاوز هذا الفخ، لأن النصوص لا تنغلق على ذات الكاتب، إنّما تنفتح على الآخر، فلا تكاد تُنسب قصة بعينها إلى المؤلف كشخص، بقدر ما تُنسب إلى التجربة الإنسانية العامة.
إن شدة التماسك السردي وخفة الإيقاع وصدق اللغة، جعلت هذه المجموعة تُقرأ في جلسة واحدة تقريباً وهو ما يُحسب لها لا عليها، لأنها تعتمد على شدّ انتباه القارئ حتى الصفحة الأخيرة.
في المحصلة، تمثل عابر دهاليز المجد تجربة قصصية ناضجة، تعتمد السرد السلس واللغة المكثفة وتمنح القارئ فرصة نادرة للانفصال عن واقعه والدخول في عوالم موازية، لإعادة تأمله بوعي أعمق. إنها كتابة تعرف كيف تقول الكثير بأقل عدد ممكن من الكلمات، وتدرك أن الأثر الحقيقي للقصة يكمن في ما تتركه بعد انتهائها.