يروي لنا سوار الشخصية المحورية في الرواية، على امتداد ١٩٠ صفحة، بما هو أشبه بسيرة غير مكتملة، سوار المنتمي إلى الطبقة الوسطى في سوريا، التي تآكل حجمها ووزنها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسواها، واضطرتها الظروف التي شهدتها البلاد لللجوء إلى أصقاع الدنيا، وما كان قد تبقى من هذه الطبقة عاش اوضاعاً معاشية مقبولة وحاز على مستوى تعليمي متقدم، مَكّنته من التحدث بلغة عالمية مثل اللغة الإنجليزية، ساعده ذلك على الولوج في عالم الحداثة، وعلى التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وتعرفه على ما يمور في العالم من اكتشافات، وما وفرته العولمة من إمكانات، كل ذلك أمّن لسوار توازناً، جعله أكثر مقدرة وتحكماً في تحديد خياراته التي فرضتها عليه الظروف كلاجىء، بعكس ما حصل مع السواد الأعظم من المهمشين في بلدانهم والذين حازوا على قدر ضئيل من الثقافة والثروة والحريات العامة، جعلتهم أقل معرفة بأحوال العالم المتمدن بعد لجوئهم إليه .
مسرح الرواية يمتد في الزمان والمكان، من خلال ذاكرة سوار وعينه الثاقبة التي تحاكي قديمه من خلال جديده، ومنذ أن تشكل وعيه بوجوده، وصولاً إلى اللحظة التي اندفع السوريون لفعل تاريخي شجاع يعيد لهم حريتهم وكرامتهم، وما نجم عن ذلك من تهديد الكيان السوري، وتشتيت السوريين في أصقاع الدنيا، كانت هولندا ملاذاً لسوار الذي يبدو أنه الملاذ الاخير .
الروايه سجال بين الماضي والحاضر، بين اللاجىء المغترب ومن بقي من أبناء البلد الواحد وقد تشتت عقدهم وتفرق بين مهاجر قديم ولاجئ قادم من شرق متعدد الانتماءات التي تحولت إلى نقمة والى هويات قاتلة بدلاً من أن تشكل لوحة جميلة طالما تغنى بها السوريون في بلدهم المتنوع الذي ساهم في تشكله موقعها الجغرافي الذي تقاطعت فيه الامبراطوريات الكبرى عبر التاريخ، فكان هذا التنوع الذي نسجت منه الأيادي الماهرة لوحة جميلة، وعملت فيه أحياناً الأيادي الشريرة تمزيقاً.
مچو كاتب الرواية يحاول أن يكون عين بصيرة لواقع السوريين بتنوعهم, يقحم الإديولوجيا في نصوصه ويقسرها على التاريخ، هو قادم من سوريا التى لم تتشكل هويتها كفاية، واستبد بالدولة نظام بوليسي أراد أن يطمس بالقوة غالباً أية تعددية، سواء كانت طائفية أو دينية أو قومية أو سياسية، فسوار الكردي شاهد على ممارسات النظام التمييزية بحق كرد سوريا كما غيرهم من أبنائها، وهو شاهد عن التمايز الإجتماعي وفقدان الرعاية الاجتماعية ،واختلاف المكانة الاجتماعية في مثال صديقه القديم صبري الذي التقاه في هولندا قبل أن يشد رحاله ويعود إلى كوباني ويؤسس فيها حياة جديدة بعد تجربة زواج فاشلة، واطمئنانه على ولديه بعد أن شقّا درب النجاح في اغترابهما. حكاية صديقه صبري مثال ألوف الحكايا التي نسمعها وتعج بها وسائل التواصل الاجتماعي والتي تعبر عن المستوى الذي وصل إليه التماسك الاجتماعي، ونموذج التفكك الأسري والعلاقات بين الجنسين وصدمة الحضارة والتنابذ الذهني…إلخ، مجرد نماذج.
تحيل مشاهدات سوار في هولندا إلى يقظة ذكريات الطفولة والصبا المكبوتة والمسكوت عنها، وتوقظ عند القارئ أيضاً عالم المخفيات والأسرار التي كانت تحاط بالكثير من السلوكيات “الشاذة”، وتميط اللثام عن الكثير من المخفيات التي كانت تمارس عبر العلاقات الاجتماعية وسواها، وتكشف عن هشاشة منظومة القيم والأخلاق. كما تحيل بعض المشاهدات إلى مفارقة الاختلافات بين الشرق والغرب والمدى الذي وصلت إليه في مجالات السياسة والدين والجنس، والتي تدخل جميعها في حيز الحريات العامة.
يقدم مچو في روايته الجنس كمادة لإثارة القارئ، من خلال الدعوة التي تلقاها سوار من قبل الشخصية التي كانت شاهدة على الاختبار الذي تقدم له من أجل الحصول على وظيفة سائق. بعد أن يتحضّر سوار لوجبة طعام خطط أن يكون طباخها، يتفاجأ برغبة سيدة المنزل في ممارسة الجنس معه وسط اندهاشه من موقف زوجها اللامبالي وليكتشف فيما بعد بأن الزوج يعاني من عجز جنسي. هل هذا نموذج لانعدام الغيرة والايثار من قبل زوجٍ غير قادر على تلبية رغبة زوجته الجنسية؟! وفي مشهد آخر يقدم لنا نموذج الزوجين الحبيبين اللذين انفصلا واستمرا رغم ذلك كصديقين، هل هذه ظاهرة عامة تختلف عما يحصل في بلاد الشرق التي غالباً ما تنتهي حالات الطلاق إلى عداء بين الزوجين؟!
أثناء عودة سوار بسيارته وانتظار دوره للوصول إلى دورية البوليس، والمونولوج الذي يجريه مع نفسه حول التمييز العنصري وتهمة الإرهاب التي تلبس بالملونين في أوروبا، مثال للقلق الذي بات يشكل خطراً على التفاعل والاندماج وتهديداً للحريات العامة.
إذا كان التاريخ هو رواية لما حدث، فإن الرواية هي تأريخ لما سيحدث، أو أنها تفتح الأسئلة لما سيحدث ويصبح تاريخاً، فهل نجح كاتبنا مچو أن يدفع عقل القارئ لسبر ما يحدث؟!
ليس مچو أول من كتب الرواية بهذا العمر المتقدم نسبياً، فقد سبقه الكثيرون في ذلك، بعضهم جاوز السبعين، منهم من نسيهم الأدب بعد أول عمل لهم، ومنهم من خلدتهم أعمالهم. يعتبر اليوم عمر الخمسين هو بداية العطاء النوعي، وبعض التصنيفات تقول بأن الشيخوخة تبدأ في سن الثمانين، ربما من يكتب في عمر الخمسين أشبه بالطفل الذي يتأخر عنده النطق، وعندما يتكلم يخرج عنه كل ما خزّنه عقله بفيض من اللغة الزاخرة بالمعاني. فهل صمته عن كتابة الرواية طوال هذه المدة وولادة أول عمل له هو باكورة لأعمال جديدة؟! هذا يضع الكاتب أمام مسؤلية جديدة في إشباع نهم القارئ الذي وجد في رواية “وهل من فرق؟” متعة القراءة وتعقب شخوصها بشغف ظاهر.
الرواية تثير مسائل شائكة، وتبقي الإجابة على أسئلتها مفتوحة، وهي الأسئلة التي تعبر عن قلق المشتغلين بمراقبة الرأي العام، والحال الذي وصل إليه عالم اليوم من تناقضات، تنذر في حال استمرارها بعواقب وخيمة على الاستقرار العالمي في مجالات العلاقات الاجتماعية وعودة النزعات المتطرفة وسيادتها في أكثر من مكان، وخطرها على كوكبنا الجميل.
يأمل القارئ أن يجد نفسه أمام عمل روائي جديد، يكون فيه الكاتب مچو أكثر مسكاً وتطويعاً للغة، وأكثر نجاحاً، وهو قادر على ذلك بسبب فيض اللغة والإحالات التي وردت في الرواية، والتي تنم عن قراءته الواسعة – شرط نجاح الكاتب، بالإضافة إلى تجربته الحياتية الغنية، وكما تبدد قلقه عندما شرع في كتابة هذه الرواية وفاءً لأستاذه، سيبدد قلقه عندما يشرع في كتابة عمل جديد، وربما قد فعل ذلك…