تأتي رواية “إثر واجم” للروائية مثال سليمان الصّادرة عن- دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب- ط 1-2025 بوصفها فعلاً كتابياً يُعاد فيه اختراع المرأة من داخل ذاتها، لا من انعكاسها في مرآة الرجل أو المجتمع أو الحكاية، إذ لا تقيم الكاتبة سردها على الحدث، بل على الأثر، ولا تبني عالمها على الوقائع، بل على ما تخلّفها لوقائع في النفس من رجعٍ لا يُمحى. فالوجم ليس لحظة شعورية طارئة بل بنية دائمة، تنهض عليها الكتابة وتنمو فيها الشخصيات، ويتشكّل منها المكان والزمان. كل ما في الرواية يدور حول ما لا يُقال، وما لا يُرتكب، وما لا يقع، ولكنه يُثقل كاهل اللغة ويُجبرها على أن تُنبت حضوراً في الفراغ.
ثمة روح فانتنازية جلية، مبتكرة، في الرواية، وهي ليست تحليقاً خارج الممكن، بل غوصاً داخلياً يعيد تشكيل الواقع النفسي بلغة لا تلتزم قواعد الإدراك التقليدي. إذ إن الروائية لا تستدعي عناصر العجائبي أو الخارق، بل تُشيّد عالماً فنتازياً من مواد وجدانية خالصة، حيث الغياب يصبح حضوراً، والسكوت لغة، والانكسار نواة خلق. هذه الفنتازيا الخاصة لا تأتي من الخارج، بل من تمدد الداخل في النص، إذ تُبنى الرواية على تخييل الذات لا على محاكاة العالم، وتتقدّم السطور كما لو أن الزمن قد انكفأ عن أداء وظيفته وترك للغة مهمة بناء الزمن البديل. تكتب خاتون: “في عالمٍ مغمور بين ظلال الوجود وأطياف العدم، كانت هي الهالة الأولى…” – ص 15-، لتؤسس بذلك فضاءً سردياً لا يرتكز إلى جغرافيا واقعية أو زمان موضوعي، بل إلى عوالم داخلية تخيلية تُبنى من تماسّ الوعي بالحلم. هذا المشهد يفتح الباب أمام فنتازيا وجدانية لا تتخذ من العجائبي سبيلاً، بل من الغياب مادة لصياغة عالم لا تحكمه حدود الواقع، بل يتأسس بوصفه امتداداً لحالة شعورية مطلقة.
منذ الصفحات الأولى، لا ينتظر القارئ حدثاً، بل يتهيّأ لاستقبال نبض خفيّ يتنامى بين السطور، حيث لا تُكتب الحياة كما تُعاش، بل كما تُحتمل في الغياب. والرواية، إذ تفعل ذلك، لا تنتمي إلى جنس تقني محدّد، فهي ليست تقريرية، ولا تُشبه الحكاية المتسلسلة، بل تتقدّم بوصفها نصّاً داخلياً يُكتب كما يُصلّى، وتُنطق جمله كما يُتنفّس الوجع في عتمة الغرفة.
الرؤية التي تعتمدها مثال سليمان في “إثر واجم” تقوم على تفكيك العلاقة بين الزمن والحدث، بين الواقعة والنص، فلا تنشأ الكتابة هنا عن مفارقة خارجية أو أزمة مع واقع موضوعي، بل عن أزمة وعي تُنتج عالمها من ذاتها. كل جملة تُكتب لتُزيح الواقع وتُحيله إلى أثر، وتتحول الرواية إلى فضاء فنتازي داخل النفس، حيث لا شيء يطلب التفسير، بل الحضور. وبهذا المعنى، لا تكون “إثر واجم” رواية عن العالم، بل عن إعادة اختراعه في اللغة، بما يجعلها تخرج عن مسارات السرد المألوف نحو نص طقسيّ يُكتب كما تُرتّل الأناشيد، وتُستدعى فيه الأمكنة والأزمنة بوصفها ارتجافاً في القلب لا معطى في الخارج.
لا تُحدّد الرواية مكاناً جغرافيّاً، ولا تُحسن التوصيف في القوالب المألوفة، بل تتحرك في أمكنة فنية تنشأ من الداخل وتُبنى في: الجسد. الغرفة، المرآة، الورقة، النوافذ، الأرض التي تزرع فيها البطلة حبها، والليل الذي لا ينجلي، كلها ليست أماكن، بل امتدادات لذات تخوض تجربتها في وحدة تامة، ولا تطب من الخارج سوى أن يبقى بعيداً عنها. الزمن هنا لا يتقدّم بل يُكرّر ذاته، يبدأ من لحظة انتظار ولا يخرج منها، ويدور حول الغياب دون أن يُفضي إلى حضور. هو زمن وجداني تتكرّر فيه الدقائق لا بالأرقام بل بالحنين، وتمتدّ فيه الساعات لا بالحركة بل بالصمت.
في هذه الرواية لا تنشأ الكتابة من ضمير الواقع، بل من يقينٍ باطني لا يعترف بقواعد الزمان ولا بمواقيت السرد التقليدي، حيث تتّخذ الرواية شكل عالمٍ فنتازي داخلي يُستمدّ من الحلم لا من الوقائع. الكتابة هنا ليست ريبورتاجاً للألم بل إزاحة له نحو فضاء رمزي لا حدّ له، يُعاد فيه تشكيل الهوية بوساطة الخيال واللغة. كل جملة لا تُراد للقول بل للتجسيد، إذ تكتب خاتون “نخلق عوالمنا في الروايات، فنحيا فيها لحظات لم نحْيها، ونتنفس أجواءً لم نراها إلا في مخيلتنا”. هذا الإيمان بالكتابة كخلق لا كحكاية، هو جوهر الفنتازيا التي لا تحتاج إلى تنانين ولا عوالم مقلوبة، بل تكتفي بأن تكون الذات هي العالم والحبر هو الزمن. لأن الفنتازيا في هذه الرواية ليست احتفاء بالغرابة، بل انزياح كامل عن الاستنساخ، حيث تتحوّل اللغة إلى مرآة لا تنقل الشكل بل الجوهر، وتصبح الرواية نفسها وهماً يلامس الحقيقة كما تُلامس النار دون احتراق، على حد قول البطلة: “الكتابة تشبه أن نلمس النار دون أن نحترق، أن نغوص في مياهٍ لا قاع لها دون خوف الغرق. هي جسر بين ذواتنا والعالم، بين الحلم والواقع، بين المعلوم والمجهول”. هنا تُغدو الكتابة مسرحاً للتجاوز، وتصبح الرواية تجربة وجودية لا تقع في الخارج بل تُحيا في الداخل، عبر تقنيات تشظي السرد وتكرار الصور وتدوير الزمن حول نقطة واحدة هي الذات الباحثة عن ذاتها.
ضمن هذا الفضاء، تتحرّك شخصية خاتون، البطلة التي لا تبحث عن بطل، ولا تنتظر اعترافاً، بل تُعيد كتابة كيانها بعيداً عن المثال المفروض والتماثل القسري. إذ لا تنسج خاتون من حضور الرجل ظلالاً لنفسها، بل تنتزع ذاتها من سياق المقارنة وتعلن أنها موجودة قبل السؤال وبعد الجواب. ونجد أنها حين تُسأل عن سالومي، ترفض أن تكون مكرّرة، معلنة أنها خاتون الكردية، فحسب، لا لأنها بديلة، بل باعتبارها لا تقبل البديل. شخصية خاتون لا تُبنى من تفاصيل وتحولات الماضي ولا من السيرة، بل من الحاضر المتراكم في الحواس، ومن التجربة التي تنضج لا بفعل الأحداث بل بفعل التأمل. هي لا تنمو في الخارج بل في الداخل، لا تتبدّل بمرور الزمن بل بتراكم اللغة داخلها، وتُصبح ذاتها كلما كتبت، وكلما انسحب العالم من حولها.
يتقدّم بناء شخصية خاتون في رواية “إثر واجم” بوصفه تحولًا داخليًا لا تحكمه الوقائع الخارجية بل الوعي المتصاعد بالذات، فهي لا تُقدَّم منذ البداية كأنثى منكسرة ولا كامرأة مغلوبة، بل تتكوّن في سياق السرد ككيانٍ يرفض التماثل ويتحرّر تدريجياً من أسر التوقّع. هذا التحوّل لا يأتي عبر تغير الظروف، بل ينبع من صدامها مع الوهم، حيث نراها تراجع سنواتها الأربعين أمام مرآة لم تعد تعكس إلا صمت الأسئلة، وتقول: «هل كنتُ أعيش في خيال؟ أم كان هذا الوهم؟ هل كل هذا العمر ما عشته من أحلام هو الحياة ذاتها، أم أنني نسجتُ خيوطها في عتمة الروح، خائفةً من الحقيقة؟” ص27. هنا لا تكتفي بالسؤال، بل تبدأ بالانفصال عن الصورة القديمة لذاتها، وتدخل في منطقة وعي مؤلم لكنه صادق. هذا الوعي يُثمر حين تُدرك، مع توالي الصفحات، أن العلاقة التي كانت تنشدها لم تكن سوى مساحة معلّقة في المجهول، فتعلن بوضوح: «أعيش اليوم لأخلق أحلاماً واقعية، لا لأهرب منها، بل لأواجه بها كلّ ما بقي لي من عمر… بشجاعةٍ جديدة، تلك الشجاعة التي تأتي مع الزمن” ص32. هذا التصريح لا يعبّر فقط عن تبدّل في اللغة بل عن تبدّل في موضع الذات داخل الرواية، إذ تنتقل خاتون من دائرة الانتظار إلى أفق الفعل المستقل، وتتحوّل الكتابة عندها إلى حدث مركزي، ليس لنقل الحنين بل لصياغة حضور لا يحتاج إلى ردّ. وتُختتم حركة هذا التحوّل حين تزرع حبّها في صخر الغياب دون أن تنتظر ثمرًا، وتقول: “كانت تزرع لأجل نفسها…” ص36. جملة تُكثّف مسار الشخصية من امرأة تراهن على الحب، إلى امرأة تكتب لأنها لا تعرف غير الكتابة طريقاً للبقاء.
لا يتحرك گابار في رواية إثر واجم كفاعل درامي رئيس، بل يتقدّم في النص بوصفه صدى حضور لا يكتمل، يتحرّك بالكلمات لكنه لا يتحوّل بالفعل، ويظلّ وجوده محصوراً بين التخاطر والخذلان، بين الكلام الذي لا يُثمر وبين المواقف التي لا تكتمل. يظهر أولاً بوصفه المخاطَب الدائم، وهو الذي تُكتب إليه الرسائل وتُنسج حوله الأسئلة، لكنه لا يتطوّر من موقعه هذا، بل يبقى أسير غيابه ومحدودية حضوره. في لحظة حوارية يختصر حضوره بالتأمل: “خاتون، كم أرانا نحن أيضاً، مثل جوليان، نرتدي أقنعة مختلفة ونتهرب من وجهنا الحقيقي” ص76. حيث يُسقِط گابار تأملاته الفلسفية على علاقته بها، دون أن يتورّط في التزام عاطفي واضح، ويظلّ ينظر إلى الذات بوصفها معادلة فكرية لا تجربة وجدانية. هذا الانكفاء الفكري يتحوّل لاحقاً إلى نموذج لشخصية معلّقة بين القول والفعل، فهو يعترف بأن” كل رسالة هي خطوة جديدة نحو فضاءٍ واسع…” ص103″. لكنه لا يخطو فعلاً في أي اتجاه، ويظلّ يكتب كما لو أن العلاقة لعبة لغوية لا تحتاج إلى حسم.
ومع توالي الفصول، يتكشّف أن گابار يعيش في منطقة وجدانية خاصة لا تسمح له بالارتباط الكامل، فحين تقول خاتون: “أريد فقط أن أكون ظله حين يحتاج إلى أحد يتحدث معه” ص 52. يتبيّن أن حضوره لم يعد أساساً في علاقتها بالحياة، بل صار مجرّد ظلٍ لوجعٍ قديم. يتحوّل في نظرها إلى رجل يسكنه الحنين لا الحب، ويظلّم حاصراً بذكريات والدته التي” ما زالت تسكنه كغابة لا يذبل ظلها”ص52. وهذه الاستعارة لا تصفه، فحسب، بل تحكم مسار تطوره المتعثر، إذ يبقى هناك، في الغابة التي لا يخرج منها، عاجزاً عن اللقاء أو الحضور الكامل. وعلى الرغم من محاولته أن يشارك خاتون عوالمهاالكتابية، حين يقول: “ولتظل تكتب، حتى تتداخل أحلامها مع الواقع، ونصبح جزءًا من القصة التي نرسمها”ص103، إلا أنه لا يخرج من كونه جزءاً من الحلم فقط، لا من الفعل. ويتحوّل حضوره من كيان إلى صورة، ومن حبيب محتمل إلى مرآة تعكس وعي خاتون بذاتها. وهكذا، تتضاءل مكانته السردية تدريجياً، لا لأن الرواية تهمشه، بل لأنه لا يتحوّل ولا يواجه ذاته، ويبقى أسير منطقه وعزلته، ويُعيد تموضعه كعنصر كاشف لنمو خاتون لا كمشارك حقيقي فيه. بهذا، يُنجز گابار مساره السردي كشخصية ساكنة في ظاهرها، لكنها محفّزة لتحوّل الشخصية الرئيسة، ودورها الفعلي لا في أن تكون فاعلة بل أن تفتح المجال للبطلة أن تتحرّر من الوهم.
الحدث في الرواية ليس وقعاً خارجيّاً بل فعل كتابة فيوجه الصمت، إذ كل ما يحدث هو أن خاتون تكتب، وكلما يتبدّل هو أنها لا تتوقّف عن الكتابة رغم الغياب. لا نقرأ مشهداً يُحرّك الحكاية، بل نتابع قلباً يتحرّك في الفراغ، ويُنتج من كل لحظة انتظار نصّاً يُضاف إلى الزمن. لا عقدة تُحلّ ولا نهاية تُرتجى، بل تساؤل دائم حول المعنى والغاية، وحوار لا يُقصَد منه الوصول بل الامتداد. ومن هنا، تكون الذروة الحقيقية هي لحظة إدراك خاتون أنها تكتب لنفسها، لا للمخاطَب الذي لا يرد، ولا للغائب الذي لا يعود، وتغدو الكتابة حدثاً بذاته، لا وسيلة لبلوغ شيء. الشخصيات الأخرى لا تملأ المشهد بل تُحيط به كأصداء، لا تأثير لها في مسار النص سوى أنها تعكس ظلال البطلة. گابار، الرجل الغائب، لا يتحكّم بشيء، بل يترك غيابه ليُنتج الكلام، وتُصبح رسائله ندرة في بحر من النصوص التي تكتبها خاتون. لا يُبادر بل يتلقّى، ولا يُغيّر بل يُستدعى بوصفه سؤالاً عن الحضور. الشخصيات الثانوية الأخرى لا تملك ملامح واضحة، لأن الرواية لا تبني عالماً خارج خاتون، بل تُركّز كل ما فيها في قلبها.
العقدة الحقيقية في الرواية هي: كيف تكتب المرأة حين لا يعود الحبيب؟ كيف تُنتج لغة لا تستند إلى ردّ؟، وكيف تتحوّل الكتابة من وسيلة للتواصل إلى حياة قائمة بذاتها؟ هذه العقدة لا تنفجر في مشهد بل تتراكم في الصمت، وتبلغ ذروتها حين تُدرك خاتون أنها زرعت في صخر، ومع ذلك تبتسم، لأن فعل الزرع هو الحياة. الصعود الدرامي لا يتحقّق بتكاثر الأفعال بل بتكثّف اللغة، والجملة الواحدة التي تتكرّر تُنتج ارتجافاً أكثر من ألف حادثة، وتبلغ الرواية ذروتها حين لا تعود الكلمات تكفي، ويُترك القارئ أمام جدار الصمت.
لا يُستدعى المكان في رواية “إثر واجم” بوصفه حيزاً جغرافيّاً تتحرك فيه الشخصيات، بل يُبنى كمجال روحي ونفسي داخلي تتشكل فيه المشاعر، ويتكثف فيه الحضور الغائب. لا مدينة تُذكر، ولا بيت يُوصف، بل يُختزل العالم كله في النافذة، الغرفة، المرآة، الرسالة، والصمت، وكلها ليست أماكن فيزيائية بل أمكنة وجدانية تنبع من داخل خاتون، وتُعاد كتابتها كامتداد لحالتها الشعورية. المكان هنا لا يفتح العالم بل يغلقه على البطلة، ويجعل من كل زاوية فيه انعكاساً لحالتها الداخلية. حين تقول: “أقف عند حافة هذا العالم، لا أنظر خلفي ولا أمامي، بل أبحث في اللحظة الراهنة عن إجابةٍ لأسئلة لا تحتاج إلىكلمات…” ص74، فإن المكان يتحول إلى حافة داخل النفس، لا حافة مدينة أو زمن. هذا المكان لا يُقاس بالأمتار بل بالقلق والتردد والصمت. الغرفة التي تسكنها البطلة ليست مأوى بل ميداناً لمعركة داخلية بين الأمل والخذلان، والمكان الأشد حضوراً في الرواية هو المرآة، حيث تنعكس ملامح خاتون لا لتُرى بل لتُسائل ذاتها عن جدوى الحب والانتظار. تقول: “امرأة في الأربعين، تحدقّ في وجهها في مرآة الزمن، تبحث بين خطوطه عن ملامح نسيها الزمان أو أخفاها” ص27، وهنا تتشكّل المرآة كحيّز تتواجه فيه البطلة مع الزمن لا مع صورتها، ويغدو المكان وسيلة لاكتشاف الذات لا مساحة للسكن.
وفي لحظة أخرى، يتجلّى المكان الرمزي في الأرض التي لا تنبت، حين تكتب خاتون لكابار: “كانت تزرع لأجل نفسها…” ص 36، وهذه الجملة تكرّس الأرض كمكان فني يعكس صمت الغياب، حيث يُزرع الحب ولا يُنتظر منه حصاد. كذلك، يُكتب الليل والمطر بوصفهما مرافقي الحزن والكتابة، فلا يُستدعيان للزينة بل ليؤسسا الجو الذي تُكتب فيه الكلمات. ويمتدّ هذا التصور حين تتأمل البطلة أفقها وتقول: “في عالمٍ مغمور بين ظلال الوجود وأطياف العدم، كانت هي الهالة الأولى…” ص15، حيث يتماهى المكان مع الخلق الرمزي للذات، ويتحول الكون كله إلى مرآة لداخل البطلة. بهذا، لا يكون للمكان في الرواية وظيفة خارجية، بل يُعاد إنتاجه ككائن شعوري يتغير بتغير الحالة النفسية، ويُكتب كما تُكتب الأنفاس.
أما اللغة، فهي البطل الحقيقي، تُكتب كما لو كانت أنفاساً لا كلمات، وتُشكّل من الجمل البسيطة مجازاً داخليّاً لا يحتاج تفسيراً. لا تتكئ الرواية على البلاغة المصطنعة ولا على التقريرية اليومية، بل تُنتج نسقاً خاصاً هو النثر الشاعري الصافي. لا فصاحة للزينة، ولا تقشّف للتقنية، بل توازن خفيّ يُتيح للكلمة أن تبوح دون أن تستعرض. اللغة هنا لا تخدم السرد بل تصنعه، وتُعيد تشكيل الأمكنة من خلالها، وتحوّل السكون إلى موج. تستخدم الكاتبة تقنيات السرد دون أن تعلنها: لا فلا شباك واضح، ولا تسلسل تقليدي، بل حركة بطيئة تنمو في الداخل، ومونولوج يُخاطب القارئ دون وسائط. المراسلات تُستخدم كذريعة للكتابة لا كقناة للتواصل، والحوار يُخاض بين النفس واللغة أكثر مما يُخاض بين الشخصيات. الزمن يُستخدم بلا توقيت، والمكان يُكتب بلا خرائط.
ليس الوجم في رواية” إثر واجم ” محض عالم نفسي يتخلل السرد أو يمرّ به عرضاً، وإنما هو منهج تخييلي، وطريقة في توليد لغة السرد مما هو عصي على الإحاطة العفوية، وفي توليد الحدث من اللا حدث. الكاتبة لا تستخدم الوجم كحالة تُصيب البطلة ثم تزول، بل تؤسسه طريقتها الخاصة في السرد، حيث لا يُعتمد على الحركة بل على أثر الحركة، ولا على الحديث، بل على ما يخلفه الغياب من ارتعاش في النص. يتحوّل الوجم البنية سردية، إذ تُكتب الجمل كما لو أنها تُنتزع من السكون بصعوبة، ويتقدّم السرد كما لو أنه يُقاوم الخرس، كل كلمة تتقدم على استحياء، وكل فكرة تُعلن ترددها قبل أن تظهر. البطلة لا تصمت لأن الكلمات خانتها، بل لأن الوجم هو لغتها الأخرى، التي لا تتلفظ بها لكنها تكتبها، وكل فصل في الرواية يبدو كما لو أنه وُلد بعد صمت طويل لم يُكتب، وكأن النص كله قادم من عمق الوجوم لا من حركة العالم.
بهذا المعنى، يُصبح الوجم محرّك الرواية الداخلي، لا عرضاً طارئاً، ولا تعبيراً عن مشاعر، بل أرضاً تُزرع فيها الكلمات على مهل، وشكلًا للزمن الذي لا يتحرك إلا داخل الذات. ويتحوّل الوجم من حالة شعورية إلى إيقاع للنص نفسه، لا يحتاج لشرح، بل يُحسّ في توتر الجمل، وفي الصمت الذي يملأ الفراغات بين الكلمات، وفي تكرار الرسائل التي لا تجد جواباً. الرواية لا تبحث عن الخلاص من الوجم، بل تستقر فيه، وتكتبه، وتحوّله إلى أثرٍ باقٍ في القارئ، كما يبقى الحنين في القلب دون أن يُشفى.
في بنية الرواية، تتحرك الأحداث في مسارين متوازيين لا يتقاطعان إلا بقدر ما تسمح به حركة السرد وتطور الوعي الداخلي للبطلة، إذ تقوم الرواية على خطّين سرديين يسيران جنباً إلى جنب: خط العلاقة الشخصية بين خاتون وگابار، وخط الكتابة بوصفها اكتشافاً ذاتياً يتجاوز تلك العلاقة. في الخط الأول، تنمو الحكاية من لحظة تعلّق عاطفي، تبدأ مع تبادل الرسائل وتتصاعد عبر الترقب والخذلان، حيث تتجلّى خاتون كامرأة تبحث عن حضور الرجل في حياتها، وتُسائل غيابه، وتُعيد بناء تصوراتها عن الحب والانتظار. هذا الخط لا يتحقق عبر أحداث خارجية بل من خلال تراكم شعوري تنقله الرسائل والتأملات، ويتحوّل تدريجياً إلى مساحة يُعاد فيها إنتاج العاطفة كحالة سؤال، لا كحالة إشباع.
أما الخط الثاني، فينمو داخل شخصية البطلة نفسها، إذ تتحوّل الكتابة من وسيلة اتصال إلى كيان مستقل، ويتصاعد حضورها في النص لا بوصفها مرافقة لحبٍ غائب، بل كحياة بديلة تُكتب في مواجهة الفقد. من هنا، تبرز الكتابة كحدث في حد ذاتها، وتغدو اللغة أداة حضور حين يغيب الآخر، ويتحوّل القلم إلى مساحة وجود لا تحتاج لاعتراف خارجي. هذان الخطّان، العاطفي والكتابي، لا يندمجان بل يوازنان بعضهما، فكلما ضعُف تأثير العلاقة الشخصية وبهُت حضور گابار في السرد، تصاعدت الكتابة وأصبحت خاتون تكتب لا من أجل أحد، بل لأنها وجدت في فعل الكتابة خلاصاً. وهكذا تتحرر الرواية من الحاجة إلى الذروة التقليدية، ويغدو الصراع الحقيقي فيها ليس بين شخصيتين، بل بين انتظار يُخفق في الاكتمال، وكتابة تنجح في أن تكون بديلاً عن كل حضور، وتُعيد للمرأة ذاتها المستقلة بعيداً عن كل تماثل أو استعارة.
في بناء الرواية يظهر عنصر الصوت السردي الداخلي بوصفه أداة مركزية تكشف عن طريقة تشكيل الحكاية لا من خلال تنوّع الأصوات أو تداولها بين الشخصيات، بل عبر تكثيف السرد في صوتٍ واحدٍ يتسع لكل ما عجز عنه الحوار والحركة. هذا الصوت، الذي يتماهى مع وعي البطلة، لا يُقدَّم كراوٍ خارجي عليم، ولا كمشارك في الأحداث، بل يتشكّل من اندماج المونولوج بالحوار والتأمل، حيث لا يُفصل بين ما تفكر فيه خاتون وما تكتبه، ولا بين ما تحسه وما تقوله، بل تتحوّل الرواية إلى نصّ واحد طويل تنصهر فيه المشاعر والأفكار ضمن صوت لا يسعى لتبرير أفعال الشخصيات بل يكتفي بأن يعيد كتابتها من الداخل.
هذا الصوت لا يتغير عبر الزمن، ولا يضع القارئ في موقع المقارنة بين مراحل الشخصية، بل يُبقي على حدة الشعور ووضوح الموقف، بحيث تبدو اللغة منذ بدايتها حتى ختامها مشدودة إلى نغمة واحدة، وتكون هذه النغمة هي الهوية الحقيقية للرواية. ومن خلال هذا الصوت، تُبنى النهاية لا كنتيجة لأحداث، بل كامتداد طبيعي للصوت ذاته، لأنه لم يتغير ولم يضعف ولم يتبدل، بل فقط تراكم كالحزن في القلب حتى صار لغة. وتكون النتيجة أن الصوت السردي هنا لا يُستخدم لتوصيل الحكاية بل لتثبيت حضور البطلة كامرأة لا تُروى بل تكتب نفسها بصوتٍ لا يحتاج لآخر، صوت وحيد لكن مكتمل.
تواطؤ اللغة والوجم
اقتصاد العبارة وبلاغة الصمت
تنهض اللغة في “إثر واجم” بوصفها كائناً فنيّاً واعياً، لا تسعى لافتتان القارئ ولا لإبهاره، بل لتواطؤه معها في بناء المعنى. ليست لغة مستعصية ولا تتكئ على إفراط بلاغي يربك التلقّي، بل تُوزَّع المفردات فيها بتأنٍّ بالغ، كأنها تُهندس لتصير جسراً، لا جداراً. هذا التوزيع اللغوي المدروس يجعل النصّ مفتوحاً أمام التأويل دون أن يتحوّل إلى لغز، ويمكّن القارئ من العبور معه لا إلى تفسير الحكاية بل إلى الشعور بها. تتصف هذه اللغة بالنضج، لا في انتقاء الكلمات فحسب، بل في قدرتها على الاحتفاظ بكثافتها دون أن تُثقِل، وبلوغها العمق دون أن تستعرض. فالنص يبوح بلغة ذات إيقاع داخلي هادئ، لا صخب فيه، كمن يهمس بجملةٍ عاشها طويلاً قبل أن ينطقها. وهذه الصياغة المتّزنة ليست صدفة، بل تنمّ عن وعي كتابي يستهدف ألا تكون اللغة تحديّاً أمام القارئ، بل رفيقاً له في رحلة الوجم والغياب.
الكتابة بوصفها نجاة من الامِّحاء وبديلًا عن الخلاص
في رواية إثر واجم، لا تكون الكتابة ترفاً شعورياً أو استجابة لفقد، بل فعل نجاة من الإمحاء، إذ تتكشف شخصية خاتون في لحظة إدراك أن لا خلاص يُرتجى من الخارج، لا من الحب ولا من الزمن، بل إن كل محاولة للنجاة لا تكتمل إلا حين تتحوّل اللغة إلى ملاذٍ أخيرٍ لا يهدى، بل يُنتزع. الكتابة هنا ليست تسجيلاً لما حدث، بل خلقٌ لما لم يحدث، وتعويضٌ عن الغياب بوجود مكتوب. تقول البطلة: “لم أعد أطلب الخلاص، أريد فقط أن أكتب، لأعرف أنني كنت هنا” ص42. هذه الجملة تحوّل الرواية كلها إلى وثيقة مقاومة ضد التلاشي، حيث لا تكتب المرأة لتُذكَر، بل لتُثبت أنها ما زالت موجودة رغم كل محوٍ محتمل. هكذا تتحوّل الكتابة إلى كيان موازٍ للحياة، لا يطلب مكافأة ولا يفضي إلى نهاية، بل يكتفي بأن يكون أثراً يبقى حين يغيب كل شيء.
المذكرة- الرسائل- والتحاور كصوت بديل
لا تقوم رواية “إثر واجم” على البناء التقليدي للحبكة، بل تنسج وجودها من أصوات الداخل، حيث تتقدّم المذكرة الشخصية بوصفها السرد الأوّل، وتُفتح عبرها أبواب الغياب. المذكرة ليست استرجاعاً زمنياً بل نقطة انطلاق في تشكيل العالم، وتُكتب لا لتدوين ما حدث، بل لبناء حضور من لا يُمكن أن يعود. الرسائل المتبادلة بين شخصيتي الرواية، أو بالأحرى الرسائل التي تكتبها خاتون ولا تجد جواباً إلا نادراً، تشكّل جسراً لغويّاً بين غائبَين، أحدهما الرجل، والآخر الذات السابقة التي تحاول البطلة استعادتها أو التخلص منها. هذه الرسائل لا تبحث عن ردّ، بل عن يقينٍ بأنّ ما يُكتب لا يضيع، وبأن الصوت حين لا يُسمع، يبقى محفوظاً في النص بوصفه حياة ثانية.
التحاور في الرواية لا يتم بين شخصيات تتحرك وتتفاعل في فضاء مشترك، بل بين خاتون وذاتها، بين الوعي والكتابة، بين سؤال لا يجد جواباً إلا في الصدى. وبهذا، لا تكون الرسائل تواصلاً بل مرايا للذات. إذ يكتب گابار، نادراً: “كل رسالة هي خطوة جديدة نحو فضاءٍ واسع…”، لكنها خطوات لا تُكمل طريقاً، بل تبقى معلّقة في الفراغ. تُعيد الرواية تشكيل الحدث من خلال هذه الرسائل، فكل لحظة زمنية تُكتب عبر المذكرة لا عبر الوقائع، وكل حوار يتم بين غيابَين لا بين حضورَين.
في هذا الفضاء اللغوي، تصبح الكتابة نفسها شخصية ثالثة، تُقيم بين خاتون وگابار، وتتحول من وسيلة إلى غاية، ومن حوار إلى تأمّل. يُكتب النص كما لو كان كتابة في الظل، حيث تُفتح المذكرة ليُكتب فيها عن الصمت، وتُرسل الرسائل ليُكتب عنها لا ليُنتظر الرد عليها. هي كتابة المرأة لعالمها، لا كما يتبدى في الخارج، بل كما يُعاد خلقه من الداخل، وتصبح كل كلمة فيها بحثاً عن الذات، لا عن الآخر.
وهكذا فإن الرواية لا تسدل ستارتها، بل تُبقي الوجم مفتوحاً على التخيل خارج النص، لا كخاتمة، بل كبداية ممكنة لامتدادات، وتجارب أخرى، أو لصمت آخر يُنتظر أن يُكتب. في ضوء هذا كله، لا تبدو رواية “إثر واجم” نصاً قابلاً للقياس بمعايير الرواية التقليدية، بل تكاد تشكّل نموذجاً خاصاً لا يقبل الاستنساخ، ولا يتيح حتى لصاحبته أن تكرّره. إذ تنتمي هذه الرواية إلى فئة من النصوص التي تكتب شرطها، وتسنّ مدرستها، ثم تغلق الباب وراءها بصمت. إنها ليست رواية الحدث، ولا رواية الحبكة، بل رواية “المثقف” الذي يستخدم أدوات اللغة لا للقول، بل للخلق، ويكتب ذاته. ومن هنا، لا تصلح “إثر واجم” بوصفها تجربة، لأن التجربة تُكرّر، بل بوصفها أثرًا فنيًّا لا يُعاد، بل يُقرأ كما يُقرأ النصّ المؤسِّس الذي لا يُحاكى. الرواية لا تقول إن المرأة انتصرت أو انكسرت، بل تقول إنها كتبت، وحين تكتب، لا تعود كما كانت. من هنا، تكون” إثر واجم” رواية لا عن الحب، بل عن الكتابة التي تؤسّس كياناً حين تنهار كل الأشياء. من هنا- تماماً- تكتسب مثال سليمان شهادة اعتماد تجربتها الروائية الأولى، من خلال محاولتها إعادة خلق العلاقة بين الكاتبوأدواته، عبر ترك أثره في ممر يكاد لا يترك الأثر لعابر، نتيجة كثرة مختاري هذه الوجهة!
*إثر واجم- رواية- مثال سليمان-162 ص من القطع الوسط-دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب- ط 1-2025.
*إبراهيم اليوسف- شاعر وروائي كردي سوريا مقيم في ألمانيا له حوالي أربعين كتاباً مطبوعاً ما بين الشعر والرواية والقصة والنقد.