16 مارس، 2026

قراءة في “وهل من فرق؟” – بقلم محمد شيخو

في زمن قلّ فيه هواة الأدب والنقد ومحبو الكلمة الجميلة، أقدّم هذه القراءة النقدية لرواية “وهل من فرق؟”، للعزيز مچو ويس.

أولاً: التعريف بالروائي:

مچو ويس من مواليد كوباني 1975، خريج كلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية من جامعة حلب، عمل مدرّساً ومترجماً في سوريا وكوردستان العراق وهولندا، وهو مالك ومدير “نوس هاوس للنشر والترجمة واللأدب.

ثانياً: التعريف بالرواية:

رواية “وهل من فرق؟” رواية واقعية اجتماعية تسلط الضوء على واقع الحياة في المجتمعات الأوربية (هولندا أنموذجاً)، وتقيم موازنة في كثير من صفحاتها بين المجتمع الأوربي والمجتمع الشرقي من خلال رسم لوحات تظهر حجم المفارقات بين المجتمعين، وتصل في النهاية إلى نتيجة مفادها أن الشرق شرق وأن الغرب غرب ولن يلتقيا.

يعرض الروائي الأحداث من خلال حياة لاجئ كوردي كوباني (بطل الرواية)، يدعى سوار، تجبره الحرب التي شهدتها سورية إلى اللجوء مثل آلاف السوريين إلى أوربا، لتستقر به الحال في هولندا.

سوار مثال للاجئ المناضل الذي يبحث عن ذاته في مجتمع غريب مختلف كلياً عم ألفه في وطنه، يحاول إثبات ذاته لأناس يظنون أن الشرقي مهما حاول فإنه أدنى كفاءة وخُلقاً من الغربي.

في الرواية صور عديدة لمعاناة اللاجئين السوريين في المجتمعات الجديدة، وصراعهم المرير في عالم يغدو فيه الإنسان مجرد رقم: رقم البطاقة الشخصية، رقم التأمين الصحي، رقم الهاتف…

أما عنوان الرواية (وهل من فرق؟) فهو تعبير عن حالة اللامبالاة لرجلين صديقين في سهرة عبثية (سوار وصبري) فشلا في الزواج، فتبلدت مشاعرهما وتساوت في نظرهما الأضداد.

ثالثاً: أحداث الرواية باختصار:

تتكون الرواية من سبعة فصول (١٩٠ صفحة)، تربط فيما بينها حبكة محكمة أجاد الروائي عرض الأحداث من خلالها ببراعة ومقدرة رغم كونها باكورة أعماله وتجربته الروائية الأولى.

وفيما يلي عرض موجز لأبرز أحداثها:

تبدأ الرواية مكانياً في هولندا، حيث يقيم البطل (سوار)، الذي يتوجه إلى إحدى الشركات هناك لإجراء مقابلة عمل يأمل من خلالها أن يثبت جدارته وقدرته ويحصل فيها على فرصة عمل كسائق سيارة.

وهو في القطار في طريقه إلى تلك الشركة يتلقى رسالة على الهاتف من صديقه صبري يخبره فيها برغبته في زيارته غداً.

ينزل سوار من القطار، ويتوجه إلى الشركة والأفكار تتلاعب به وتتركه متوتراً قلقاً مما ستؤول إليه المقابلة كنتيجة؛ فهل ستقبله الشركة أم سترفضه؟

يلتقي سوار بلجنة المقابلة المكونة من ثلاثة أشخاص (امرأتين ورجل)، ليبدؤوا بطرح أسئلة متنوعة عليه، يجيب سوار عليها بكل ثقة. وبعد انتهاء المقابلة يدعوه أحد أعضاء اللجنة وهو السيد الهولندي فينسنت لتناول كوب من الشاي، فيلبي سوار دعوته بسرور، ويتفاجأ في النهاية بدعوة السيد المذكور له إلى منزله للطبخ، كون الطبخ من هوايات سوار وهو ماهر فيه، يوافق على دعوته ويتفقان على موعد محدد، ويغادر سوار المكان بعد توديع السيد الهولندي.

يخرج من الشركة متجهاً إلى مقهى قريب ليفكر في قصة الفتاتين المثليتين (جنسياً) اللتين رآهما قبيل دخوله إلى الشركة لحضور المقابلة.

يفكر سوار في قصة الفتاتين المذكورتين من خلال مقارنتها بقصة أخرى مشابهة شهدها سوار في مدينته الرقة يوم كان طفلاً يبلغ اثني عشر عاماً من عمره، فيستخدم تقنية (فلاش باك) القصة الخلفية ويسترجع قصة جميلة ونجلاء جارتيه المثليتين أيضاً في الحي الذي كان يسكنه في الرقة بسوريا.

يتذكر سوار وهو في المقهى طبيعة علاقته بجارته جميلة ويسرد تفاصيلها، ويستحضر فضوله الطفولي يومذاك وسعيه لمعرفة طبيعة العلاقة بين جميلة ونجلاء اللتين جمعت بينهما كما بين هاتين الفتاتين المثلية الجنسية، مع مفارقة الإباحية هنا والمنع هناك.

ثم ينتقل الروائي إلى قصة صداقة سوار مع صبري المقيم في بلجيكا، مركزاً على ذكر تفاصيل حياة صبري، بدءاً بقصة زواجه من بروين ذات الأصل العشائري الرفيع مقارنة بعشيرته، مروراً بحدوث مشاكل بينهما بعد لجوئهما إلى بلجيكا بسبب عدم قدرة بروين على الاندماج في المجتمع الجديد، وانتهاء بتعييرها له على الدوام بتدني مستوى عشيرته الاجتماعي حسب الفرز الكوباني للعشائر.

يسرد الروائي بعد ذلك قصة زواج سوار من هانو، سوار الذي يكتشف بعد الزواج منها عدم توافقه فكرياً مع زوجته التي تموت فيما بعد بالسرطان.

يصل الروائي إلى زيارة صبري لسوار في منزله بعد طلاق صبري لبروين، حيث يتبادلان الأحاديث حول وضعهما، ثم استعداد سوار للقاء السيد الهولندي فينسنت لزيارته في منزله كما تواعدا.

يسرد سوار تفاصيل زيارته للسيد الهولندي لصديق العمر صبري. ويخبره بما جرى من أحداث غريبة في منزله تركته مندهشاً مستغرباً من سلوك الأوربيين، فقد مارس الجنس مع زوجته السكرى (بيترا) بعلمه، بعد أن تحرشت على مرأى ومسمع زوجها.

يعقب ذلك تواصل سوار مع بيترا لترتيب لقاء آخر معها، في الوقت الذي يأتيه خبر مفرح من الشركة التي تقدم للعمل فيها، إذ يأتيه رد بالقبول والموافقة على العمل فيها كسائق سيارة.

ثم يصف الروائي زيارة سوار للشركة للاطلاع على طبيعة العمل فيها وكيفيته، ولقاءه هناك بزميليه في العمل السيدة إنغريد والسيد ألبيرت ودهشته من صداقتهما وصحبتهما رغم طلاقهما قبل أشهر.

يعود الروائي إلى مغامرات البطل سوار الغرامية مرة أخرى، وهذه المرة مع الفتاة الشرقية سولي التي أهدته قارورة عطر ولقاءاتهما المتكررة وممارستهما للجنس.

ولا ينسى الروائي أن يخصص صفحات لعودة صبري إلى الوطن كوباني واستقراره في قريته.

تنتقل عدسة التصوير من قرية صبري إلى هولندا، إلى حدث حضور سوار لاحتفالية الذكرى الخمسين للشركة التي سيعمل فيها ولقائه هناك بالزميلين ألبيرت وإنغريد، ورؤيته مجدداً للفتاتين المثليتين في الحفل، وتعرفه عليهما ونجاحه في إعداد موعد للقاء مع إحداهما وتدعى إيفا، ثم مقابلته لها في الموعد وإخبارها له بحقيقة ميولها الجنسية وأنها اكتشفت أنها ليست مثلية بعد تجربتها مع صديقتها إيفونا، ثم لقائه مجددا بالسيدة بيترا التي أخبرته بسر زوجها أخيراً، وهو عجزه الجنسي.

يعاود سوار بعد احتفالية الشركة زيارته لبيترا ولزوجها في البيت وتجاهل زوجها الغريب لوجوده وممارسته للجنس مجددا مع بيترا وبمعرفة زوجها.

وفي خاتمة الرواية يعترف الروائي بعبثه بإحدى شخصيات قصته دون سبب مقنع خوفاً من تدمير كيان كامل، كما يعترف بأن هذه الشخصية غير موجودة في الواقع.

رابعاً: ومضات إبداعية ومزايا فنية:

١- الرؤية والرسالة والفِكر:

في الرواية ما يشير وبوضوح إلى يقظة الضمير القومي للروائي وإحساسه المرهف وتعاطفه النبيل مع أبناء وطنه الذين عانوا من المآسي إبان الحرب الدامية الطاحنة التي شهدتها سوريا، من ذلك مثلاً:

– استنكار الحدود بين كوباني وسروج:

“الحدود بين سوريا وتركيا مصطنعة فصلت بين الأختين سروج وكوباني قسراً”

– استنكر الروائي نظرة الأوربيين الدونية للاجئين، فهم ليسوا كما يعتقدون – يصلحون فقط لغسل صحون المطاعم والعمل في مجال البناء، بل بينهم من ذوي الكفاءات والطموح والمقدرة أعداد كبيرة (سوار مثلاً).

– نجح في نقل صورة عن المجتمع الهولندي وثقافته: كالمثلية الجنسية (الفتاتان مثلاً)، والنظر في عيون بعضهم أثناء الكلام، ومقابلات العمل وما فيها من جدية واهتمام وحرص.

– بالمقابل عرض عرضاً بارعاً لعادات الكورد، كالأعراس التي كانت تدوم لأسبوع فيما مضى، وزواج المبادلة.

– كشف المشاكل الزوجية للاجئين في المجتمعات الأوربية الجديدة (طلاق صبري وبروين مثالاً).

– عقد مقارنة بين الإنسان في الشرق والغرب على صعيد العمل، وكشف المفارقات المؤلمة؛ ففي الوقت الذي ينعم فيه الأوربي بالسلام الداخلي والراحة النفسية في حباته الحاضرة ومستقبله المؤمّن من قبل الدولة يشقى الشرقي ويكابد في حاضره ويقلق على مستقبله المحاط بالغموض والضباب.

– يُحسب للروائي جرأته على طرح موضوع ينتمي إلى الثالوث المحرم في الشرق (الجنس)، كحاجة إنسانية ينكرها الشرقي في العلن، ويلهث خلفها في السر.

٢- الوصف: برع الروائي في:

– وصف مقابلات العمل في أوربا من حيث الجدية والصرامة والأسئلة غير المتوقعة وحالة التوتر التي يعانيها المتقدم للعمل.

– وصف الصراع الداخلي في نفوس اللاجئين السوريين في أوربا، وكشف بعمق معاناتهم في المجتمعات الجديدة.

٣- الفلاش باك (القصة الخلفية):

استطاع الروائي استخدام التقنية وتوظيفها ببراعة، من ذلك مثلاً:

– القصة الخلفية (أثناء مقابلة العمل)، وفيها عودة إلى ماضي سوار يوم اعتقلته المخابرات في سوريا في عيد نوروز بتهمة أنه صحفي، إذ نجحت تلك التقنية في رسم ملامح الشخصية بوضوح ومعرفة ماضيها وسلوكها وتفكيرها.

خامساً: مآخذ:

١- على مستوى الأحداث:

معلوم أن الروائي يجب أن يذكر من الأحداث ما يخدم الفكرة التي يسعى الروائي إلى إيصالها للقارئ، أو ما يؤجج الصراع أو ما يثير التشويق أو ما يكشف حقيقة الشخصيات، أما الإكثار منها دون وجود مبرر أو سبب فيعتبر حملاً زائداً لا نفع يرجى منه. وفي الرواية مواضع أكثر فيها الروائي من أحداث لا تمت بصلة إلى فكرته ولا تسهم في تطوير الأحداث أو دفعها إلى الأمام، من ذلك مثلاً:

– سرده للحلم الذي رآه سوار في نومه يوم زاره صبري.

– دورية الشرطة التي كانت توقف السيارات لتتأكد من هوية السائقين أثناء عودته من زيارة السيد الهولندي.

٢- على مستوى الوصف والسرد:

واضح أن الروائي حرص على رسم صورة كاملة لبيئة الأحداث وخبايا الشخصيات، وقد نجح في ذلك، فليس في الرواية لوحة تفتقر إلى التفاصيل، إلا أن الروائي أفرط وبالغ في مواضع من الرواية من تفاصيل لا تتدخل في سير الأحداث، فوصفه المبالغ فيه لتفاصيل منزل السيد الهولندي أثناء زيارته له لم يخدم البناء الروائي، كما إن وصفه المفرط للقاعة التي جرت فيها مقابلة العمل بعث في نفس القارئ نوعاً من الملل، وكذا في اهتمامه غير المبرر لتفاصيل قصة بناء صبري لبيت ومزرعة له في قريته بعد عودته من أوربا إلى كوباني (أشجار البرتقال والليمون والمشمش واللوز والجوز والعنب والزيتون والفستق…)

بدا السرد رتيباً مملاً في مواضع عديدة من الرواية، وافتقر – إلا فيما ندر – إلى الصور الموحية، وخلا من فنية اللغة الروائية.

٣- الرؤية:

عابها الانتقاء المزاجي، إذ بدا المجتمع الأوربي في الرواية مجتمعاً جنسياً بالدرجة الأولى، فلم يقف الروائي مثلاً على حضارته وتقدمه وقيمه، وبذلك قدّم صورة مشوهة عن المجتمعات الأوربية.

أخيراً فإن هذا العمل الفني عمل يستحق القراءة والإشادة، ولا يقلل من قيمته ما رأيتُ فيه من هفوات، بل إنه يتميز بالجرأة في طرح المواضيع، ويغوص عميقاً في النفس الإنسانية، ويضع الواقع تحت الشمس، بعيداً عن المثالية الزائفة.

وهل من فرق؟