5 مارس، 2026

قراءة في مسرح العبث

تجليات العبث في مسرحية «في انتظار غودو» لسموئيل بيكيت:

قراءة تحليلية في ضوء نظرية مارتن إسلِن والسياق الوجودي الحديث

لم يكن التحول الذي شهده القرن العشرون مجرد انتقال تاريخي من مرحلة إلى أخرى، بل كان اهتزازاً عميقاً في الأسس التي قام عليها الوعي الإنساني الحديث. فقد أدّت الحربان العالميتان، بما خلّفتاه من دمار شامل ومجازر جماعية، ثم تجربة القنبلة النووية التي وضعت البشرية أمام إمكان فنائها الذاتي، إلى انهيار الثقة في العقل بوصفه أداة خلاص، وفي التقدم بوصفه مساراً حتمياً نحو الأفضل. هذا الانكسار الحضاري زعزع الإيمان بالمركزية الإنسانية، وأدخل الإنسان في حالة من القلق الوجودي غير المسبوق، حيث لم يعد السؤال متعلقاً بتحسين شروط الحياة فحسب، بل بجدوى الحياة ذاتها. في هذا المناخ نشأ ما عُرف بمسرح العبث، لا بوصفه مدرسة منظمة ذات بيان نظري محدد، بل بوصفه حساسية فنية مشتركة عبّرت عن أزمة المعنى في عالم ما بعد الحرب.

وقد كان مارتن إسلِن أول من صاغ مفهوم «مسرح العبث» تنظيراً وتحليلاً، حين لاحظ أن أعمال عدد من الكتّاب، وفي مقدمتهم سموئيل بيكيت، وأوجين يونسكو، وآرثر أداموف، وهارولد بنتر، تشترك في رؤية كونية واحدة، تتمثل في تصوير عالم فقد انسجامه ومنطقه الظاهر. رأى إسلِن أن هذه الأعمال لا تعرض العبث باعتباره موضوعاً يُناقش، بل تجسّده في بنيتها الفنية ذاتها، بحيث يصبح التفكك البنيوي انعكاساً مباشراً لتفكك الرؤية إلى العالم. ومن هنا، لا يمكن فهم «في انتظار غودو» بوصفها نصاً درامياً تقليدياً، بل ينبغي قراءتها بوصفها تجربة وجودية تُعاش على الخشبة، حيث يتحول الانتظار، والتكرار، والصمت، إلى أدوات فلسفية بقدر ما هي عناصر مسرحية.

تنفتح المسرحية على مشهد بسيط ظاهرياً: طريق ريفي، شجرة، مساء يوشك أن يحلّ، وشخصان يقفان في حالة انتظار. هذه البداية الخالية من الحدث التقليدي تؤسس منذ اللحظة الأولى لإحساس بالفراغ. إستراغون يحاول خلع حذائه، وفلاديمير يتأمل وضعهما، ويبدأ حوار يتسم بالتردد والتكرار. في هذا المشهد الافتتاحي تتجلى إحدى أهم سمات العبث: غياب الدافع الدرامي الواضح. لا يوجد صراع تقليدي، ولا هدف محدد يسعى إليه البطل، بل حالة معلّقة بين الرغبة في الرحيل والعجز عنه. وحين يقترح أحدهما المغادرة، يرد الآخر بأن عليهما انتظار غودو. هذا التعليق الدائم للفعل يشي منذ البداية بأن الانتظار ليس وسيلة، بل هو الوضعية الوجودية التي تحكم الشخصيتين.

يحمل فعل الانتظار دلالة فلسفية عميقة. فالانتظار يفترض وعداً، والوعد يفترض معنى مؤجلاً. غير أن غودو لا يأتي، ولا يُعرف على وجه اليقين من يكون. وقد رفض بيكيت نفسه إعطاء تفسير حاسم لهوية غودو، الأمر الذي يتوافق مع قراءة إسلِن التي ترى في الرمز انفتاحاً لا انغلاقاً. يمكن فهم غودو بوصفه تجسيداً للخلاص الديني، أو الأمل السياسي، أو المعنى الذي يتشبث به الإنسان ليبرر استمرار وجوده. لكن قوة الرمز تكمن في غموضه؛ إذ يسمح بتعدد القراءات، ويُبقي النص مفتوحاً. وهنا تتجلى عبقرية البناء العبثي: فالمعنى لا يُلغى تماماً، بل يُؤجَّل باستمرار.

في المشهد الذي يظهر فيه بوتزو ولاكي للمرة الأولى، يحدث ما يشبه الانحراف المؤقت عن رتابة الانتظار. يدخلان في علاقة ظاهرها السيطرة والخضوع، حيث يمسك بوتزو بحبل يربط به لاكي، ويأمره بالطاعة. غير أن هذا المشهد لا يقدّم صراعاً درامياً متماسكاً، بل يكشف اختلال العلاقات الإنسانية. بوتزو يتحدث بإسهاب عن ممتلكاته، وعن سلطته، في خطاب يحمل نبرة استعراضية، بينما يظل لاكي صامتاً إلى أن يُطلب منه «التفكير». وعندما يبدأ خطابه الطويل، ينفجر في سيل من الكلمات المتشابكة التي تمزج بين مفردات لاهوتية وعلمية وفلسفية دون نظام منطقي واضح. هذا التدفق اللغوي ليس مجرد هذيان، بل محاكاة ساخرة لانهيار الخطاب العقلاني. إن العقل، الذي طالما اعتُبر أداة تنظيم للعالم، يظهر هنا عاجزاً عن إنتاج معنى متماسك، في صورة تعكس أزمة الفكر الحديث بعد الكوارث التاريخية.

يتكرر المشهد في الفصل الثاني مع تحولات لافتة؛ إذ يعود بوتزو أعمى، ويظهر لاكي أبكم. هذا التبدل المفاجئ دون تفسير واضح يعمّق الإحساس بعبثية العالم المسرحي. فالتحولات لا تخضع لمنطق سببي، ولا تُقدَّم لها مبررات درامية. وهنا يتجلى أحد أهم أبعاد العبث: انقطاع العلاقة بين السبب والنتيجة. العالم لا يتطور وفق نظام عقلاني، بل يتغير بصورة اعتباطية، بما يعكس فقدان الإنسان لسيطرته على مصيره.

أما الزمن، فيُعدّ عنصراً محورياً في تجسيد الرؤية العبثية. فالفصل الثاني يعيد تقريباً أحداث الفصل الأول، مع تغييرات طفيفة، مثل ظهور بعض الأوراق على الشجرة. هذا التفصيل الصغير، الذي قد يبدو غير ذي أهمية، يفتح أفقاً فلسفياً واسعاً؛ فهو يشير إلى احتمال وجود تغير، لكنه تغير لا يفضي إلى تحول جذري. الزمن يمضي، لكنه لا يقود إلى تقدم. لا تتذكر الشخصيات ما حدث بدقة، وكأن الماضي يتلاشى، والمستقبل يبقى مؤجلاً. هذا البناء الدائري ينسف التصور الخطي للتاريخ، ويجسد شعور الإنسان بالدوران في حلقة مغلقة.

تؤدي اللغة في المسرحية دوراً مزدوجاً؛ فهي من جهة وسيلة للتواصل، ومن جهة أخرى ستار يخفي الصمت. يتبادل فلاديمير وإستراغون عبارات قصيرة، تتكرر أحياناً بصيغ مختلفة، ويقفزان من موضوع إلى آخر دون رابط منطقي. هذا التفكك لا يعني غياب المعنى بالكامل، بل يعكس هشاشته. فالكلمات تُستخدم لملء الفراغ، ولتأجيل مواجهة الصمت الذي يهدد بابتلاع الشخصيات. الصمت هنا ليس مجرد توقف عن الكلام، بل هو مواجهة مباشرة للعدم. ومن ثمّ يصبح الكلام محاولة يائسة لإثبات الوجود.

تتعمق الدلالة الوجودية للمسرحية حين يُطرح موضوع الانتحار في أكثر من موضع. يتساءل فلاديمير وإستراغون عن إمكان تعليق نفسيهما من الشجرة، لكنهما لا ينفذان الفكرة. هذا التردد يذكّر بإشكالية كامو حول الانتحار بوصفه السؤال الفلسفي الأهم. غير أن بيكيت لا يحوّل السؤال إلى أطروحة، بل يتركه معلقاً مثل بقية العناصر. لا يوجد تمرد بطولي، ولا قرار حاسم، بل استمرار في الانتظار. وهنا يظهر الفرق بين بيكيت وكامو؛ فالأخير يرى في التمرد موقفاً أخلاقياً، أما بيكيت فيعرض الإنسان في حالته العارية، دون أن يمنحه خطاباً خلاصياً.

إن المتلقي، وهو يشاهد تكرار المشاهد والحوارات، قد يشعر بنوع من الضجر. غير أن هذا الضجر جزء من التجربة المقصودة. فالمسرحية لا تهدف إلى إثارة التوتر التقليدي، بل إلى إدخال المشاهد في إيقاع الانتظار نفسه. وبهذا المعنى، يتحول العرض إلى تجربة وجودية تشاركية، حيث يعيش الجمهور الحالة التي تعيشها الشخصيات. هذه المشاركة هي ما يجعل النص، في قراءة إسلِن، تجسيداً كاملاً لمسرح العبث؛ إذ لا يُقدَّم العبث بوصفه فكرة خارجية، بل يُختبر في بنية العمل ذاتها.

وعلى الرغم من كل مظاهر الفراغ، فإن استمرار الشخصيتين في البقاء يحمل دلالة إنسانية عميقة. فهما لا تغادران، ولا تستسلمان بالكامل. إن مجرد الاستمرار في الانتظار يمكن قراءته بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة. لا تمرد صريحاً، ولا يقيناً بالخلاص، بل إصراراً هشاً على البقاء. وهذا البقاء، في عالم بلا ضمانات، قد يكون المعنى الوحيد الممكن.

هكذا تتجلى «في انتظار غودو» بوصفها نصاً يتجاوز حدوده الدرامية ليصبح مرآة للقلق الإنساني في العصر الحديث. إنها لا تقدم حلاً، ولا تبشر بخلاص، لكنها تضع الإنسان أمام وضعه الوجودي عارياً من الأوهام. ومن خلال قراءة مارتن إسلِن، يتضح أن قيمة المسرحية تكمن في قدرتها على تحويل العبث من مفهوم فلسفي إلى تجربة فنية متكاملة، حيث يتحد الشكل والمضمون في صياغة رؤية عن عالم فقد يقينه، لكنه لم يفقد تماماً رغبته في المعنى. ولذلك تظل «في انتظار غودو» عملاً مفتوحاً على التأويل، قادراً على مخاطبة أجيال متعاقبة، ما دام الإنسان يواجه السؤال ذاته: كيف نعيش في عالم لا يقدّم لنا إجابة نهائية؟

 Ji bo hestkerên Şano, Nûs house şanoya bi sernavê “Mizawir” pêşniyar dikê

Mizawir