21 يونيو، 2026

في المطار أخيراً – بقلم مالك صقور

في المطار أخيراً

بقلم مالك صقور

تصور لجينة نبهان في روايتها ” في المطار أخيراً” معاناة امرأة وماكابدتها؛ ومن خلال معاناة هذه المرأة؛ تُجسّد الكاتبة موضوعات اجتماعية وعاطفية و سياسية ووطنية في مرحلة حساسة من أخطر المراحل التي مرّت على البلد أو البلاد أو الوطن الذي كان يُسمى: (القطر العربي السوري).

تبدأ لجينة نبهان روايتها من النهاية.. وتعود عن طريق (الفلاش باك) – الخطف إلى الوراء، مستخدمة في سرديتها “الطازجة ” هذه، أسلوب القطع في المشاهد السينمائية. وانطلاقاً من العتبات النصية، بدءأً بالعنوان والغلاف والإهداء والعناوين الفرعية، فإن للعنوان دلالته المهمة، وهو العتبة الأولى بالنسبة للقارئ. وهنا مجرد اسم المطار فإنه يوحي: بالسفر إلى خارج البلاد، ويعني أيضاً، الإستقبال والوداع. لكن كلمة (أخيراً) تظل غامضة بالنسبة للقارئ حتى الصفحة الأخيرة.

المصادفة والضرورة 

تتجلى مقولة المصادفة في هذه الرواية مرتين. ويبرز المثل الروسي: “لا تستطيع أن تأمر القلب”، أيضاً. فالمصادفة وحدها هي التي جعلت من “نور” زوجةً لدانيال. والمصادفة الأخرى، هي التي جعلت منها أيضاً عاشقة، وعشسيقة لخالد.

كثيرة هي المصادفات في الحياة، منها المصادفات السعيدة، ومنها المصادفات غير السعيدة. هنا، المصادفة في هذه الرواية أدّت إلى زواج نور ودانيال. ولم يكن زواجاً موفقاً، ووفق سردية نور كان زواجا تاعساً. في هذه الجزئية من الرواية تطرح الكاتبة قضية مهمة اجتماعية، هي قضية بناء الأسرة، الخلية الأولى في المجتمع، ومن خلال علاقة الزوج والزوجة، وفقدان الحميمية بينهما، تظهر قضية أخرى، هي قضية ((الخيانة الزوجية)). وهذا يذكّر برواية ليف تولستوي “آنّا كارينينا” والتي بدأ تولستوي الرواية هكذا: “كل العائلات السعيدة متشابهة؛ كل عائلة تعيسة، تعيسة بطريقتها الخاصة”. في رواية آنّا كارينينا، أيضاً تلعب المصادفة دورها بلقاء آنّأ وفرونسكي في محطة القطار، والذي سيصبح عشيقها، وقد أطلق النقاد على رواية آنّا كارينينا شغف (الحب المحرّم) كون (آنّا) متزوجة من شخصية كبيرة ذو منصب عال هو أليكسي كارينين. في رواية “في المطار أخيراً” يتم لقاء نور وخالد أيضاً بالمصادفة لضرورة العمل في مكان العمل. لكن نور تسعى جاهدة كي تستعيد حب دانيال لها، كي لا تنزلق إلى المحرم. تقول: “ضمني دانيال. قالتها بهدوء بينما يصرخ الصوت بداخلها: ضمني لا أريد البحث عنك في رجل آخر، كّن الرجل الذي تخيلت، وأعدني إليك” (1) إلاّ أنها تفشل في ذلك، مما يجعلها تندفع إلى حب خالد حتى العشق. تعترف نور عن لقاء المصادفة. تقول: “التقينا قبل البوابة ببضعة أمتار، أنا ومرام من جهة، وهو وصديقه قادمان من الجهة المقابلة. من بين جميع المارّة، وقعت عيناي عليه، ولسبب لم أفهمه، شعرت بصعوبة أن أنقل نظري عنه، كأن غيري من يتحكم بالأمر، كأن صوتاً يناديني من داخله وأنا أتبع الصوت فقط. شعرت برعدة ارتجف لها كياني حين رأيته يتجه مباشرة نحونا، هل انتبه إلى نظراتي؟”. (2)

الحب من أول نظرة

يُفهم من كلام  نور، أنها من النظرة الأولى تعلقت بدانيال، حتى قبل أن تعرف اسمه وتتعرف عليه وتسمع حديثة، وقبل أن تعرف على ماذا ينطوي مظهر هذا الشاب، وهل المضمون كما الشكل الذي جذبها لابل أسرها!

وقد تكرر الأمر ذاته، حين وقع نظرها على خالد أول مرة: ” لفتها حضوره بكل التفاصيل، التي التقطتها عيناها دفعة واحدة لحظة وقوفه على الباب”. (3) هناك  من  يؤمن بالحب من النظرة الأولى، ويوجد من يرفض ذلك، لكن في هذه الرواية، تصدق هذه المقولة، مع المصادفتين:

المصادفة الأولى هي اللقاء مع دانيال قرب سينما الكندي، وهي تعترف ما أن وقعت عيناها عليه حتى انجذبت إليه. أما المصادفة الثانية، فهي التي جمعتها في العمل مع خالد، يوم باشرت عملها بصفة مهندسة ضمن شركة للصناعات االنسيجية. فكان اللقاء في مكتب عمل مستقل. حيث لفتها حضوره بكل تلك التفاصيل. ولكن بعد حين، وبعد أن تصبح العلاقة بينها وبين زوجها دانيال سيئة، وتتطور علاقتها بزميلها في العمل، إلى درجة العشق. لكن حدث شيئ لخالد.. وفجأة: “أخذته نوبة من تأنيب الذات، مع شعور آخر داهمه أشبه بسيف مسلط على رقبته… دخل حالة أشبه بالهذيان، وراح يتكلم بصوت مسموع كمن يخاطب توهمه: “لستُ آثماً أنا أحبها فقط، ما ذنبي في ذلك؟ ما ذنبها فيما يحدث، قلبي امتلأ بها دون أن يخبرني، لست أنا، ليست يدي، ليس جسدي ليس عقلي، إنه قلبي، قلبي الذي وضعته أنت في صدري يا الله”(4) ولهذا قلت في البداية عن المثل الروسي “لا تستطيع أن تأمر القلب” . أما هي: h

وعندما تصحو من السكْرة لتأتي الفكرة، كما يقولون، عندما تحاصرها الخيبة ويستولي عليها اليأس، تقول:

“تلك المصادفة التي نصبت لها كميناً أمام سينما الكندي على هيئة شاب وسيم يقبل جهتها، فتقع أسيرة ابتسامته ونظرته البحرية التي أغرقتها قبل أن يصل. ماذا لو أنها لم تذهب لحضور ذلك الفيلم؟ لو لم تكن مرام برفقتها، لو لم ينتج يوسف شاهين ذلك الفيلم وتعرضه الشاشات، هل سيكون حالها على ما هو عليه اليوم؟ “(5)

وها هي تلوم المصادفة التي نصبت لها كميناً.. فلو كان زواجها من دانيال سعيداً، فإنها ستذكر تلك المصادفة بسرور، ولكن (لو) تلعب دوراً هاما في المصادفات. (لو لم يذهب الولد إلى البحر لم يمت غرقاً.. أو، لولم يذهب تلك الساعة لم يقتل في الإنفجار..) وهذا ما يُسمى بالقضاء والقدر. وعلمياً  يُسمى (بالمصادفة والضرورة) والأمثلة كثيرة على ذلك. في قضية الزواج، يقولون: قسمة ونصيب، والنظرة الأولى، والإعجاب يسرّع في هذه القسمة والنصيب. لكن الإنفصال والطلاق هو قرار. حتى في هذه الرواية، تحت العنوان الفرعي الخامس من حيث الترتيب، عنوان فرعي: (قدر)، وكأن كل مايحدث وما سيحدث يعود إلى القدر. وكأن القدر هو المشجب الذي نعلق عليه ذنوبنا، وذلك لتبرير فعل الإنسان وأخطائه.

وإذ يتوقف القارئ عند هذه الجزئية من الرواية، ألا وهي سردية نور وخالد وقصة لقائهما والعمل والحب، فلأن هذا الموضوع يحتل المساحة الأكبر في الرواية، والذي يسمح للقارئ أن يطلع على ماضي كل منهما، وعلى تاريخ أسرة خالد وأسرة نور.. خالد من ريف درعا، ونور من قرى السلمية.

ما هو الوطن؟ و من نحن؟!

سؤال كبير، سؤال مشروع، طرحه ويطرحه وسيطرحه كل إنسان يعرف معنى “الوطن ” ومعنى المواطنة. وعندما تقول الكاتبة على لسان نضال: “عن أي وطن تتحدث يا صديقي؟ وأيّ “نحن”؟ فإنها  تطرق  قضية مهمة لا بل شديدة الأهمية. وفي رأيي، أن هذه القضية، قضية الوطن والمواطنة هي من أهم المحاور الرئيسة في هذه الرواية.

ماهو الوطن؟ سؤال طُرح كثيراً، وأنا بدوري سألت: هل الوطن مجرد جبال ووديان وسهول وهضاب وأنهار وتخوم وحدود ومدن وقرى، أي مجرد جغرافيا؟!

أم تراث وميراث وملاحم وأساطير وحكايات وثقافة وأدب وروايات وقصص وشعر وعادات وتقاليد وأعراف، أم خريطة على الحائط، وكتاب تاريخ في مكتبة أو على الرف؟!

أم شعب حي من روح وجسد وعظم ولحم ومشاعر وأحاسيس والأهم الكرامة.

أم هذا كله؟

حقاً، ماهو الوطن؟

ومن أين يبدأ الوطن؟ وأين ينتهي الوطن؟

بصراحة، ما أن تُذكر كلمة (وطن).. حتى يقفز إلى الذهن مباشرة قول الإمام علي كرم الله وجهه: “الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن”.  تقول الكاتبة على لسان نضال: “لا أظن أن أحداً يختار الغربة إلا بقدر ما تختاره هي، لا أحد يختار غربة الجغرافية إلا حين يغص بغربة الوطن”. ويتابع نضال حديثه قائلاً: “عن أي “نحن” تتحدث في بلد أنت عدوّ فيه، ولن يثبت العكس”. (6)

 يقول نضال هذا الكلام الجاد من حرقة قلبه رداً على كلام فادي الذي يعتبر أن كل من غادر البلاد بأنه “خائن ومتخاذل وجبان، وأن كل مانحن فيه مؤامرة كبيرة، وكل من هرب ساهم في انجاحها”. وكلام فادي جاء رداً على ملاحظة ثائر حول هجرة أو هروب الشباب إلى الخارج.

لقد شكلت ظاهرة الهجرة من سوريا، ظاهرة تستحق التوقف والتأمل والدراسة. وإذ تتناول الكاتبة ظاهرة الهجرة فإنها تشير إلى ظاهرة خطرة “ألا وهي أن البلاد قد فرغت من جيل بالكامل تقريباً، جيل الشباب، ومن المتعلمين الأطباء و المهندسين وخريجي الجامعات والعقول”.(7)

ولكن في معمعان ما جرى و يجري من هو الذي يهتم أو سيهتم لهذه الظاهرة، في حين غياب البوصلة، وفي حين يرى المواطن نفسه عدواً في بلده – كما يقول نضال. نضال الذي اكتوى بنار السجن أعواماً عديدة. وهاهو ذا يطرح سؤالاً مهماً: “– أريد أن أترك في عهدتك سؤالاً صغيرأ: لماذا تكون مفاتيح أحلام كلّ هؤلاء معلقة على بوابات المطارات أو مخبأة في جيوب حقائب السفر؟”(8)

 وطني ليس حقيبة

ذات عمر ، صرخ محمود درويش:

“آه يا جرحي المكابر

وطني ليس حقيبة

وأنا لست مسافر

ومحمود درويش قالها، وقضى أكثر سني عمره في السفر والغربة..و يقول: “وتسأل ما معنى وطن سيقولون: هوالبيت وشجرة التوت، وقن الدجاج وقفير النحل، ورائحة الخبز والسماء الأولى”. ولكن هل هذا ينطبق على “وطن” أنت عدو فيه. وهل وضع من كانت يده في النار، مثل الذي يده في الماء؟

بلى..

هناك وطنان، وطن للذين استغلوا الوطن، ونهبوا الوطن، وهيمنوا على مقدرات الوطن وصادروا حريات المواطنين وسرقوا لقمة عيشهم؛ وهناك وجه آخر للوطن هو وطن المذلين المهانين،  تقول الكاتبة: “بين الوطن الذي ازدحم به كلام فادي، والوجه الآخر للوطن الذي يصّر على تذكيره بنفسه – بين رومانسية الأفكار، وقبح الواقع”.(9) وقبح الواقع هو سبب كل هذا الدمار. والدمار هذا ليس في العمران فقط، بل دمرّ النفس وجرح الروح؛ كان دماراً شاملاً طال الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية.

والسؤال: من الذي سبب قبح الواقع؟ من الملام؟ من المذنب؟ ومن المسؤول عن كل هذا الخراب؟ وماالعمل؟!

المأساة

طالب الطب نضال محمد علي، أنهى الأمتحانات، وخبّر أهله انه قادم غداً. “لكن هذا الغد لم يأتِ” – تقول نور وهي تحكي لخالد، كيف تم اعتقال أخيها نضال. وكيف انقلبت حياة العائلة رأساً على عقب، انقلبت إلى جحيم. ومن تلك اللحظة، بدأت المأساة، مأساة عائلة اعتُقل ابنها في عز شبابه، وزّج به في السجن، كونه ينتمي إلى حزب ينبّه حزب السلطة إلى الأخطاء وإلى حجم الفساد. ينتمي إلى حزب تُعدّه السلطة معادٍ، ولهذا اعتقلت هذه السلطة عشرات المئات من الشباب، وربما أكثر، وزجت بهم في غياهب السجون. حتى، دون محاكمة..

لقد كُتب الكثير عن السجون، وعن القمع، وعن العذاب الجسدي والنفسي  للمناضلين الذين قضوا سنيناً طويلة في السجون، ومنهم من مات تحت التعذيب. يقول ناظم حكمت:

لقد أدركونا يا “منوّر”

فنحن الأثنين في السجن

أنا داخل الجدران

وأنت خارجها

ولكن ماهو أسوأ من ذلك

أن نحمل هذا السجن في أنفسنا

يعبّرُ هذا المقطع عن حال عائلة نضال السجين السياسي. فأكثر الروايات تناولت وضع السجين في السجن، والسجان، ومعاناة السجين داخل السجن. لكن، في هذه الرواية، جسدّت لجينة وضع أسرته، وكيف كانت الأم تذوب، وتذوب حتى فَقَدَتْ بصرها؛ وكيف انكسر شموخ الأب، وهو يطرق الأبواب ويتذلل كي يعرف أين ابنه؟!

وتطول فترة المأساة، ويتضح بأن السجن لم يغيّب نضال وحده بل غيّب العائلة كلها وابتلعها، وكسر أحلامها، وغيّر مجرى حياتها، وقتل الفرح في قلبها. ولم تكن عائلة نضال هي الوحيدة في فاجعتها وحزنها، بل شملت المأساة عائلات كثيرة أيضاً، على امتداد الجغرافيا السورية. ذلك، لأن أجهزة القمع في السلطة الحاكمة غير مؤهلة لخوض مواجهة ديمقراطية مع هؤلاء الشباب الذين ينتمون إلى أحزاب اليسار، بوصفهم مثقفين ثوريين. وبالتالي؛ فإن الأجهزة الأمنية أعجز من أن ترد على المثقف الثوري، أو تحاوره أو تناقشه فتلجأ إلى اعتقاله وزجه في السجن بحجة أنه عدو النظام القائم، ويشكل خطراً عليه. ومن المعروف تاريخياً، أن الطاغية أو الحاكم المستبد لا يستطيع أن يرى ولا يتصور وجود عناصر معارضة له، حتى ولو كانت لا تشكل خطرا أو تهديداً لسلطته. ولهذا يلجأ إلى اعتقاله ثم سجنه، وأحياناً تصفيته. وهو لا يعلم أنه بذلك يفتح قبره بيد أجهزته الأمنية القمعية، وبيد المناضلين، ومهما طال الزمن.

يقول محمود درويش:

” نيرون مات ولم تمت روما..

بعينيها تقاتل

وحبوب سنبلة تجف

ستملأ الوادي سنابل.. !

الشخصيات

– نور محمد علي: هي الشخصية المحورية في هذه الرواية، مهندسة. وبطبيعتها متمردة، مثقفة، واثقة من نفسها. إلاّ أن (القدر) كان لها بالمرصاد. فلم يدعْها تهنأ في حياتها. فلم توفق بزواجها. فهي كانت مبدأية مستقيمة، وابتليت بزوج انتهازي. ثم انقلبت حياتها رأساً على عقب، حين اعتقل أخوها نضال. وتمت خيبتها الأخيرة عندما تخلى عنها الحبيب أو العشيق. لقد نمذجت الكاتبة في شخصية نور إنموذج المرأة المثقفة الطموح، والمتحررة من أدران المجتمع المتخلف، ورفيقة للرجل، تتعامل بندية وليس بدونية، وهي الأبنة البارة الوفية لذويها. والتي لم تنصفها الحياة. أو، لم يُسعفها القدر.

 – خالد أحمد المرعي: مهندس. ولد ونشأ وترعرع في عائلة فلاحية في ريف حوران. انتقلت العائلة إلى دمشق. مات الأب وهو في الصف العاشر. اعتمد على نفسه، عمل في ورشة لتصليح السيارات. عصامي. رقيق القلب. ضميره حي، يخاف الخطأ. جمعته الوظيفة مع المهندسة نور في مكتب واحد. أحبها وأحبته. لكن فجأة أخذته نوبة تأنيب الذات، كونها متزوجة.

– نضال محمد علي: هو الأخ الأكبر ل نور. السجين السياسي. مثقف. قارئ ممتاز. أدمن القراءة وشراء الكتب. قضى في السجن خمس عشرة سنة فقط. صمد في السجن. وحافظ على مبادئه. رجل ذو إرادة قوية. ناضل وحلم مع رفاقه بتغيير العالم، ثم بتغيير الواقع أو إصلاحه، فكان العقاب هو السجن.

– ثائر محمد علي: هو الأخ الثاني ل نور. فنان تشكيلي. ذو طبيعة غامضة، عميق التفكير، قرر العزلة بعد اعتقال أخيه، رفض أن يشارك في أي معرض. رسم لوحات عديدة عن أخيه في السجن، جسّد فيها صمود نضال، في أوضاع مختلفة. والأهم في هذه اللوحات هو التأكيد بأن قوة إيمان نضال بأفكاره ستجنبه مشاعر الألم.

– دانيال: زوج نور. انتهازي. قناص فرص. يدعي التقدمية. انخدعت نور بحديثه، وكانت ترى فيه صورة أخيها نضال قبل مرحلة السجن. لكن تبين أنه خبيث مرواغ. لم يتبن دانيال فكراً ثورياً، لم ينتسب إلى حزب معارض. سُجن بالصدفة. متلون وذرائعي. لقد جسّدت الكاتبة في شخصية دانيال إنموذج ألشخص المحتال المنحط، النرجسي، الأناني.

–  الأم: هي الأم، والتي تذكّر برواية (الأم) لمكسيم غوركي. مع الاختلاف في الزمان والمكان والمضمون. والأم في هذه الرواية إنموذج المرأة الصابرة الصامدة المضحية، حتى انطفأ ضوء عينيها.

الأب: وهو المثقف العارف، الوطني، الذي أحب وطنه، لكن هذا “الوطن” خانه، وأصابه في مقتل. عندما اعتقل ابنه وهو في ريعان الشباب. فاغتالوا بذلك الوطنية، وقتلوا مستقبل الأبن، فقرر العزلة.

أما الشخصيات الثانوية فهم:

– مرام: صديقة نور. وهي ابنة أخت دانيال. وهي سبب تعارف نور ودانيال. صديقة نور القريبة جداً منها، عاشت قصة حب مجنونة لسنوات مع شاب فلسطيني. انتهت بالخيبة، بسبب رفض الزواج من رجل خارج الطائفة. فقررت العيش على ذكرى تلك الحكاية.

– فادي: زميل نور في العمل. مؤيد للنظام، وهو يُعدُّ أن كل من غادر البلاد أوهاجر في أحلك الظروف بأنه خائن ومتخازل وجبان. وأن ما يحدث هو مؤامرة كبرى.

– هفال الخمسيني: الرجل الطيب الذي احتضن نور كأبنة له حين بدأت العمل. شخص له تجربته في الحياة، صادق ومخلص. كان منتمياً للحزب الشيوعي السوري، وتركه لأنه لم يستطع أن يتحمل فساده ومحسوبياته. وقد تعرض للظلم والعداء في مواقف كثيرة: مرة لأنه شيوعي، ومرة لأنه سني، ومرة لأنه كردي.

الدلالة الاجتماعية

ومن استعراض شخصيات الرواية، تتجلى صورة المجتمع بما فيه من محسوبيات، ومن الشللية المبنية على أساس الطائفة، وهنا يبرز مرض خطر أخطر من السرطان، السرطان يفتك بجسد المريض، وهذا يفتك في المجتمع وفي الوطن. فبدلاً عن الصراع الطبقي في المجتمع، الذي سيؤدي إلى العدالة والمساواة، يتغلغل المرض الطائفي الذي يتحول إلى صراع فتاك بالسر والجهر. وإن المجتمع الذي تسيطر عليه النعرات الطائفية فهو بالتأكيد مجتمع متخاف، وهو مجتمع كسيح. وإذ تُشير إليه الروائية، فإنها تصيب كبد الحقيقة، معلنةً رفضها لهذا المرض الخطر البغيض، داعيةً للعمل من أجل استئصاله.

المشاهد

قلت في البداية، إن الروائية اعتمدت أسلوب القطع كما في المشاهد السينمائية. وقد وزعت السرد على ثلاثة وعشرين مشهداً. يبدأ المشهد الأول في المطار. نور: ستسافر إلى دبي. وفي أثناء انتظار موعد الطائرة، فاضت أفكار نور الممزوجة بالقلق.. ومن ثم توالت المشاهد. وقد أبدت الروائية قدرة على رسم المشاهد بتفاصيلها، وفي كل مشهد/مقطع ترسم لوحة حية تنبض بالحياة: خالد يقص سيرته الذاتية بعفوية، وتحكي نور قصتها معه أيضاً بعفوية. ويلقي الحزن بثقله على أغلب المشاهد، إلا اللقاء مع خالد الذي ولّد لديها بصيص أمل، سرعان ما انطفأ.

وكما كانت البداية في المطار، أيضاً كانت النهاية في المطار. وفي الصفحة الأخيرة من الرواية، وقبيل النداء الأخير بثوان: “ترفع رأسها لترى وجهه؛ إنه خالد، خالد أخيراً.. لقد جاء إذن، ولكن!”. (10)

والسؤال الذي يطرح نفسه، ويطرحه القارئ أيضاً:

هل جاء خالد ليودعّها

أم

جاء ليعيدها؟!

وأخيراً:

السقوط في زمن القمع – ولا أقول الحب في زمن القمع. ففي زمن الرعب، والقمع، والقهر، والإعتقال والسجن الجميع معرضون للسقوط. إلاّ مارحم ربي، وهنيئاً للصابرين الصامدين..

في المطار أخيراً

—————–

* في المطار أخيراً: للشاعرة لجينة نبهان. نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب – 2024

– 1) الرواية – ص. 64

– 2) الرواية -ص. 71

-3) الرواية ص.41

-4) الرواية ص. 135

– 5) الرواية ً . 134

– 6) الرواية ص. 27

-7 ) الرواية ًص. 14

– 8 ) الرواية ًص. 26

-9 ) الرواية ص. 21

– 10) الرواية ص.140

.( 3 )